حين يصبح الاختلاف جريمة 2026

2026-07-31 5 مشاهدة
حين يصبح الاختلاف جريمة 2026
حين يصبح الاختلاف جريمة … لماذا نعجز عن الالتقاء
عبدالسلام الطراونة

لو تأملت معظم خلافاتنا في العالم العربي، لاكتشفت أنها لا تبدأ من اختلاف الأفكار، بل من رفض وجود الفكرة الأخرى أصلًا. فالقضية لم تعد: من يملك الحجة الأقوى؟ بل: من يملك الحق في الكلام؟
ولهذا، فإن كثيرًا من حواراتنا لا تنتهي بإقناع أحد، ولا بتقارب وجهات النظر، بل تنتهي بخصومة جديدة، أو قطيعة أخرى، أو انقسام أعمق. وكأن الاختلاف بين البشر عيب ينبغي التخلص منه، لا نعمة تفتح أبواب المعرفة.
إن أكثر ما يلفت الانتباه في مجتمعاتنا أن الجميع يطالب بحرية الرأي… حتى يبدأ الآخر بالتعبير عن رأيه.
عندها تتبدل الشعارات، وتتغير القواعد، ويصبح الرأي الآخر مؤامرة، أو خيانة، أو جهلًا، أو فسادًا، أو عمالة. وكل طرف ينصب نفسه قاضيًا يصدر الأحكام، لا محاورًا يبحث عن الحقيقة.
لكن الحقيقة سؤال يستحق أن يُطرح بجرأة: من أين جاءت هذه العقلية التي تجعل كل واحد منا يعتقد أنه يحتكر الحقيقة؟
الجواب ليس بسيطًا، لأنه نتاج عقود طويلة من التربية والسياسة والثقافة.
لقد تربت أجيال كاملة على أن التراجع هزيمة، وأن الاعتراف بالخطأ ضعف، وأن التسوية استسلام، وأن الانتصار لا يكتمل إلا بإسكات الخصم. وفي المدارس تعلمنا كيف نحفظ الإجابة، أكثر مما تعلمنا كيف نناقشها. وفي السياسة شاهدنا معارك إقصاء أكثر مما شاهدنا ثقافة شراكة. وفي الإعلام اعتدنا على المناظرات التي تبحث عن المنتصر، لا عن الحقيقة.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتصب الزيت على النار.
فالخوارزميات لا تحب العقل الهادئ، بل تكافئ الانفعال. والمنشور الذي يشتم ينتشر أسرع من المنشور الذي يشرح، والصوت المرتفع يغلب الصوت العاقل، لأن الإثارة أصبحت عملة العصر.
ومع الوقت، لم نعد نختلف حول الأفكار، بل حول الأشخاص.
إذا أحببنا المتحدث، أحببنا كل ما يقول. وإذا كرهناه، رفضنا كل ما ينطق به، حتى لو كان صوابًا. وهكذا أصبحت العقول أسيرة الأسماء، لا الأدلة، وأصبحت الهوية أهم من الحقيقة.
وهنا تكمن المأساة.
فالحقيقة ليست ملكًا لأحد، ولا تمنح نفسها لحزب أو تيار أو أيديولوجيا أو جماعة. الحقيقة أشبه بلوحة فسيفساء؛ يحمل كل إنسان قطعة منها، ولا تكتمل الصورة إلا إذا اجتمعت القطع معًا. أما إذا أصر كل واحد على أن قطعته هي اللوحة كلها، فلن يرى أحد الصورة الكاملة.
المجتمعات الناضجة لا تُقاس بعدد المتفقين فيها، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف. فالاتفاق الدائم ليس دليل صحة، بل قد يكون دليل خوف. أما الاختلاف المنضبط، فهو علامة على مجتمع حي يفكر، وينتقد، ويصحح نفسه.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس كثرة الخلاف، بل عجزها عن تحويل الخلاف إلى حوار، والحوار إلى حلول.
ولذلك، لسنا بحاجة إلى أن نتفق في كل شيء، فهذا مستحيل. نحن بحاجة إلى أن نتعلم شيئًا أكثر أهمية: أن نحترم حق الآخر في أن يختلف معنا، وأن ندرك أن قوة الفكرة لا تُقاس بقدرتها على إسكات خصومها، بل بقدرتها على الصمود أمام أسئلتهم.
ولعل أول خطوة في طريق النهضة ليست مشروعًا اقتصاديًا، ولا إصلاحًا إداريًا، ولا حتى تقدمًا تقنيًا، بل أن نتحرر من وهمٍ خطير اسمه احتكار الصواب.
فما من إنسان يرى الحقيقة كلها، وما من عقل، مهما بلغ علمه، يستطيع أن يستغني عن عقول الآخرين.
وعندما ندرك هذه الحقيقة البسيطة، سنكتشف أن الحوار ليس تنازلًا، بل شجاعة. وأن الاعتراف بالخطأ ليس انكسارًا، بل نضج. وأن التسوية ليست هزيمة، بل انتصار للعقل على الغرور.
وعندها فقط… لن يصبح السؤال: من انتصر في النقاش؟
بل سيكون السؤال الذي تستحقه الأوطان:
كم اقتربنا جميعًا من الحقيقة؟
الأمم لا تسقط عندما يختلف أبناؤها … بل عندما يقتنع كل واحد منهم أنه آخر من بقي على صواب. ففي تلك اللحظة، لا يموت الحوار فقط، بل يبدأ سقوط الأوطان.

by author
Abdulsalam Tarawneh

مشاركة الخبر: