2026-07-06
12 مشاهدة
أثار قرار رئيس الوزراء جعفر حسّان طلب استقالة وزير العمل خالد البكار على خلفية تضارب مصالح يتعلق بعطاءات حكومية تقدم بها ابن الوزير نقاشاً مشروعاً حول “مدى كفاية هذا الإجراء، ومدى انسجامه مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتشريعات الأردنية”! طبعاً لا خلاف على أن طلب الإستقالة يمثل ممارسة للمسؤولية السياسية، ورسالة تؤكد عدم التساهل مع “أي شبهة” قد تمس نزاهة الوظيفة العامة إلا أن الدول التي تتبنى مبادئ الحوكمة الرشيدة لا تكتفي بالمساءلة السياسية، بل تجعلها بدايةً للمساءلة القانونية والمؤسسية، لا نهايتها!! لقد صادق الأردن على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد فأصبحت جزءاً من التزاماته الدولية، وهي لا تكتفي بالدعوة إلى مكافحة الفساد بعد وقوعه، بل تركز على الوقاية منه وإدارة مخاطر تضارب المصالح قبل أن تتحول إلى جرائم فساد … وتؤكد المادة (7) من الاتفاقية ضرورة اعتماد نظم تعزز النزاهة والشفافية في القطاع العام، بينما تدعو المادة (8) إلى وضع قواعد للسلوك الوظيفي تمنع تضارب المصالح وتلزم الموظف العام بالإفصاح عنه والتصرف بما يحمي المصلحة العامة، أما المادة (9)، فتشدد على أن تكون المشتريات والعطاءات الحكومية قائمة على الشفافية والمنافسة العادلة ومعايير موضوعية، بما يمنع أي تأثير غير مشروع أو محاباة. وعليه، فإن الإستقالة، مهما كانت أهميتها السياسية، لا تجيب عن الأسئلة القانونية الجوهرية: هل وُجد تضارب مصالح فعلي؟ وهل أفصح الوزير عنه؟ وهل امتنع عن أي تدخل أو تأثير في إجراءات العطاءات؟ وهل تمت جميع الإجراءات وفق القانون وبمعزل عن أي نفوذ محتمل؟! الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بالإجتهاد أو بالإستنتاج، وإنما من خلال تحقيق مهني ومستقل تجريه الجهات المختصة. فإذا أثبت التحقيق عدم وجود أي مخالفة، فإن ذلك يبرئ ذمة الوزير ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات. أما إذا كشف عن تجاوزات، فإن تطبيق القانون يصبح واجباً، بغض النظر عن انتهاء شغل المنصب! وعلى الصعيد الوطني، فإن قانون النزاهة ومكافحة الفساد الأردني ينيط بـهيئة النزاهة ومكافحة الفساد مسؤولية تلقي الشكاوى والتحقق من شبهات الفساد وإحالتها عند الإقتضاء، كما تقوم المنظومة التشريعية الأردنية على مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، وهي مبادئ لا تتحقق بمجرد تغيير المسؤول، وإنما بإظهار الحقيقة للرأي العام … إن التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية أمر أساسي، فالأولى قد تقتضي الإستقالة حفاظاً على الثقة العامة، أما الثانية فلا تُحسم إلا “بتحقيق مؤسسي” يحدد الوقائع والمسؤوليات! إن قرار طلب الإستقالة يمكن اعتباره خطوة إيجابية تعكس المسؤولية السياسية، لكنه لا يكتمل من منظور اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ولا من منظور الحوكمة الرشيدة إلا إذا أعقبته “إجراءات تحقق ومساءلة شفافة”، تعلن نتائجها للرأي العام، بما يضمن حماية المال العام، وصون سمعة الأبرياء، ومحاسبة المخطئين، وترسيخ مبدأ أن سيادة القانون تعلو على الأشخاص والمناصب. فالدول لا تُقاس بسرعة إقالة المسؤولين، وإنما بقدرتها على بناء منظومة مؤسسية تجعل الحقيقة- والقانون هما الفيصل في كل شبهة، دون استثناء أو انتقائية.
2026/7/3
https://shaabjo.com/news/03/07/2026/349081/?fbclid=IwY2xjawS3xipleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFPYnJlanJHMWpJd0FtZ29mc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHtAB1zfAxyDx3CDwvR3dFSdf8y83aXo-KJJIHOSpuRomJChbLAcaZLlvEiAX_aem_zBrKdgg7HaXD2v-GWZcegA